عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

420

اللباب في علوم الكتاب

الحجّة إلى منى ، بحيث يوافون الظّهر بها ، ويصلّون بها الظّهر والعصر والمغرب والعشاء والصّبح من يوم عرفة ، فإذا طلعت الشّمس على ثبير « 1 » يتوجّهون إلى عرفات ، فإذا دنوا منها فالسّنّة ألّا يدخلوها ، بل يضرب فيه الإمام بنمرة « 2 » ، وهي قريبة من عرفة ، فينزلون هناك حتّى نزول الشّمس ، فيخطب الإمام خطبتين ، يبيّن لهم مناسك الحجّ ، ويحرّضهم على كثرة الدّعاء والتّهليل بالموقف ، فإذا فرغ من الخطبة الأولى ، جلس ثم قام ، وافتتح الخطبة الثّانية والمؤذّنون يأخذون في الأذان معه ، ويخفّف بحيث يكون فراغه من الخطبة ، مع فراغ المؤذّنين من الأذان ، ثم ينزل فيقيم المؤذّنون فيصلّي بهم الظّهر ، ثم يقيمون في الحال ويصلّي بهم العصر ، وهذا الجمع متفق عليه ، فإذا فرغوا من الصّلاة توجّهوا إلى عرفات ، فيقفون عند الصّخرات موقف النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويستقبلون القبلة ويذكرون اللّه - تعالى - ويدعونه إلى غروب الشّمس . وهنا الوقوف ركن لا يدرك الحجّ إلّا به ، فمن فاته في وقته وموضعه ، فقد فاته الحجّ ، ووقت الوقوف يدخل بزوال الشّمس من يوم عرفة ، ويمتدّ إلى طلوع الفجر من يوم النّحر ، وذلك نصف يوم وليلة كاملة ، فإذا حضر الحاجّ هناك في هذا الموقف لحظة واحدة من ليل أو نهار ، كفاه . قال القرطبيّ « 3 » - رحمه اللّه تعالى - : أجمع أهل العلم على أنّ من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزّوال ، ثم أفاض منها قبل الزّوال أنّه لا يعتدّ بوقوفه ذلك ، وأجمعوا على تمام حجّ من وقف بعرفة بعد الزّوال ، وأفاض نهارا قبل اللّيل إلّا مالك ؛ فإنّه قال : لا بدّ أن

--> ( 1 ) ثبير : بالفتح ثم الكسر ، وياء ساكنة ، وراء ؛ قال الجمحي - وليس بابن سلّام : الأثبرة أربعة : ثبير غينى ، الغين معجمة مقصورة ، وثبير الأعرج ، وثبير آخر ذهب عني اسمه ، وثبير منى ، وقال الأصعمي : ثبير الأعرج هو المشرف ب « مكة » على حق الطارقيين ، قال : وثبير غينى وثبير الأعرج ؛ وهما حراء وثبير ؛ وحكى أبو القاسم محمود بن عمران الثبيران بالتثنية : جبلان مفترقان يصبّ بينهما أفاعية ؛ وهو واد يصبّ من منى ، يقال لأحدهما : ثبير غينى ، وللآخر : ثبير الأعرج ؛ وقال نصر : ثبير من أعظم جبال « مكة » ، بينها وبين عرفة ، سمّي ثبيرا برجل من « هذيل » مات في ذلك الجبل ، فعرف الجبل به ، واسم الرجل ثبير . وروى أنس بن مالك ، رضي اللّه عنه ، عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : لما تجلّى اللّه - تعالى - للجبل يوم موسى ، - عليه السلام - ، تشظّى ، فصارت منه ثلاثة أجبل ، فوقعت ب « مكة » ، وثلاثة أجبل وقعت ب « المدينة » فالتي ب « مكة » حراء ، وثبير ، وثور ؛ والتي ب « المدينة » أحد ، وورقان ، ورضوى . ينظر : معجم البلدان 2 / 85 . ( 2 ) نمرة : بفتح أوله ، وكسر ثانيه ، أنثى النمر : ناحية ب « عرفة » نزل بها النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وقال عبيد اللّه بن أقرم : رأيته بالقاع من نمرة . وقيل : الحرم من طريق الطائف على طرف من نمرة على أحد عشر ميلا ، وقيل : نمرة الجبل الذي عليه أنصاب الحرم عن يمينك ، إذا خرجت من المأزمين تريد الموقف . قال الأزرقي : حيث ضرب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في حجة الوداع ، وكذلك عائشة . ينظر : معجم البلدان 2 / 352 . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 286 .